في عيد الأم نكتب القصائد لأمهاتنا و نبدأ مسبقاً في التفكير في كيفية مكافأتها على دورها طوال السنين لكن هل فكرنا فيما تشعر هي في عيدها؟
لقد أنتظرتك يا صغيري منذ أن كنت جنينًا في رحمي تسعة أشهر من البداية حتى النهاية. تكوينك بداخلي لم يكن بالسهل بالعكس بل كان شاقًا جدًا. كنا جسد واحد أنا أنت و أنت أنا، نبضك نبضي و غذائي غذاؤك و نَفَسي نَفَسك. خلال رحلة الوهن على وهن، كنت شديدة القلق عليك كنت اخاف عليك من و انت بداخل رحمي. كنت احارب الأرق و التعب و الإرهاق لأجلك أنت فقط. كان يوم مولدك بمثابة يوم عيد حيث أحتفل بيه كل سنة كأنه يوم مولد جديد بالنسبة لي حيث أنظر إلي الندوب و الجروح و أقول لقد فعلتها و جئت بك يا صغيري لهذه الحياة أخيراً. لا أكاد أصدق أن هذا المخلوق الصغير نمى مني و قد اعطيته ما يريد من مقومات الحياة. فِداك يا سرور نظري كل شئ في هذه الدنيا. تكبر ثم تكبر أمام عيني حتى أُدرك أنه أنا الأساس بالنسبة لهذا المخلوق الصغير.
الأم هي مدرسة الحياة الأولى بالنسبة لأطفالها حيث هي البداية لكل شئ، بداية الغذاء و الحنان و التفاهم. يولد المَرء صغيراً حجماً و تقديراً ثم يتطور بفضل الله ثم بفضل والدته و مربيته في هذه الحياة فتعطيه مما أعطاها الله من فضله تعطي طفلها كل معاني الحياة.
يقول الشاعر حافظ إبراهيم بيت شعره الشهير؛
الأم مدرسة إذا أعدَدتَّها .. أعددت شعباً طيب الأعراقِ
الأم روضُ إن تَعَهَّدَه الحيا .. بالري أورَقَ أيما إيراقِ
الأم أستاذ الأستاذة الألي .. شَغَلت مآثِرهم مدى الآفاق
يصف هنا الشاعر الكبير الأم بأنها مدرسة مُعدة مسبقًا فهي بعد ذلك التي سوف تُعد أبناءها و هذا كمثل المقولة التي تقول أنه إن تربية الطفل يجب أن تبدأ قبل ولادته بعشرين عامًا و ذلك بتربية أمه. و يُكمل إبراهيم بأنها الروض الذي تكمن فيه الحياة و الإزدهار.
الأم تَعلَم و تُعلِمُ الكثير فهي أستاذة في المعرفة و التعليم. الأم هي مُستقر الدنيا بالنسبة لأولادها هي الهدوء من بعد صَخَب هي الترويض من بعد شراسة هي الآمان من بعد خوف.
الأم ليست فقط كلمة عادية و شعارات رنانة بالعكس بل هي كلمة غير عادية خارقة. الأم بطلة في تحملها لصعاب الحياة لأجل أطفالها. هل تظنون أن إنشاء إنسان و تهيأته للحياة بالشئ السهل؟ الإجابة هي لا و ألف لا بل هي نعمة من رب العالمين يمد بها الأم حتى تقوى و تستطيع.
تعلمت من أمي:
كلٌ منا إكتسب شئ من أمهِ سواء بقصد أو بدون و لكن الشئ المؤكد أنها هذا الشئ مثل البصمة الملتصقة في أذهاننا و شخصياتنا. مثلاً هناك من إكتسب فن الإدارة أو فن من فنون الطبخ أو طريقة الحديث، إلخ…
تذكر صديقة ما أنها فخورة بما قدمته أمها من تكوين شخصية و بناء ذات و تقول: أنا ممتنة لكِ يا أمي لما أنا عليه و يشهد الله أنكِ خير من نَفَذ وصية الإمام علي رضي الله عنه "لا تُكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم قد خُلقوا لزمانٍ غير زمانكم" حيث كنتِ الداعم الأول لي في كل شئ و لم تجبريني على حال غير الحال الذي أريده و أمّنتِ لي حق الأختيار. هل تعرفين يا أمي أنكِ مثال للقوة و أنا دائمة التعلم منكِ و من قوتك و رسالتي إليكِ هو أنكِ زاد الدارين و سر وصالي بالعالم.
حال الأم في مجتمعاتنا العربية يعطي لنا الصورة الكاملة للتحمل و القوة حيث أُزهقت أرواح كثيرة على مذبح الأمومة و كل ذلك من اجل التضحيات التي تقدمها لأبناءها.
آمال وتضحيات:
التاريخ و الأديان و كل ما تحمله الحياة من وثائق تُثبت دور الأم في التضحية من أجل معيشة أبنائهن مرورًا بالملكة إياح حتب أم الملك احمس التي كانت الداعم الأكبر له في قيادته للجيش ضد المعتدي و إستكمالاً مع الملكة أوليمبياس أم الإسكندر الأكبر و أم سيدنا موسى عليه السلام التي ضربت مثال للتضحية و الصبر و القوة في نفس الوقت حيث ضحت بمشاعرها و فطرتها من أجل سلامة إبنها ضد القتل و لا ننسى الأم الأشهر على الإطلاق في التاريخ و هي السيدة مريم العذراء التي تعطي لنا دروسًا في الصبر و تحمل الإساءة و الوقوف ضد العالم من أجل إبنها.
لا يوجد مجال للشك في حب الأم الغير مشروط لأبنائها و الأم كائن قد يبدو ضعيفًا بكونها أنثى لكن هذا الكائن في وقت الشدة تلتحم ضلوعه و تتكاتف و تقوي بنيته و عقله من أجل الأبناء و هذه ليست عاطفة مقتصرة في الإنسان بل فقط في الحيوان و هذا يُطبق مبدأ القوة تَكمُن في الضعف.
هل كل والدة أم أو كل أم والدة؟
ليس بالضرورة أن تكون كل والدة أم و بطبيعة الحال ليس كل أم والدة حيث الوالدة البيولوجية هي من تضع رضيعها الذي كانت تحمله في بطنها و لكن تعريف الأم يأتي منذ لحظة تعلق الطفل و تعلمه منها. في مُحيطنا هذا نرى كثيرًا من النساء الوالدات لأطفالهن غير قادرات على أن يتمموا معنى الأم الحقيقة بسبب تخليهن عن معايير الأمومة السليمة لكن نرى أيضًا نساءً أُخريات ليسوا بالوالدات لكنهن يتمتعن بعظمة الأمهات. و هُنا نقف وقفة تحية و إحترام تقديرًا للوالدة الأم و نقدم لها باقات من الشكر.
أيتها الأم، انتبهي!
عزيزتي الأم، إليكِ بعضًا من الملاحظات التي قد تكونِ غافلة عنها لكن لا بأس من الإصلاح:
1- الإفراط في الحماية
مبدئيًا، عليكِ أن تعلمي أن أولادك ليسوا بمعصومين بل إنهم يصيبون و يخطأون كأي إنسان طبيعي فعليكِ دائمًا بالتوجيه لا التعنيف و إياكِ و الحياة الفقاعية المعزولة عن العالم الخارجي و الخبرات الحياتية المختلفة حيث بهذه الطريقة قد تخلقين شخصية مهزوزة غير قادرة على العيش في غابة الدنيا.
2- ولد و بنت
إحذري التفرقة! و هُنا لا نقصد في المعاملة فقط ولا نقصد الحد من سيطرة و هيمنة الذكور على اخواتهن الإناث فقط بل المقصد هو أن تربية الذكر مثل تربية الأنثى مع بعض الفروق و لكن تتشابه الأساسيات. حاولي أن تُظهري الواجبات و الحقوق لكلا الجنسين حيث بلا شك كل ذكر و كل أنثى لهم الواجبات المختلفة عن بعضهم و بدون هذا النوع من التفرقة قد يُحدث الإختلال في النظام البيئي الأسري.
3- رب الأسرة
حاولي أن تُشركي الأب و تربية الأبناء حيث لابد و أن يكون له دور معكِ في هذا الصرح و المقصود بيه هو البيت. يقتدي الأبناء بالأب بقصد أو بدون فلابد أن يكون صورة جيدة أمامهم لمنع الصدمات النفسية المتكررة.
في نهاية القول و في عيدك أيتها البطلة، ننحني حبًا و تقديرًا لجهودك و نقول لكِ كل عام و انتِ منبع و أصل الحياة .. كل عام و أنتِ مصدر اللجوء.. كل عام و الجنة تحت أقدامك. و ندعو الله عز و جل أن يعيطكِ قوة فوق قوتك و أن يُلهم الأبناء الصبر لمن فقدوا مصدر الدعوات و الدعم في حياتهم.
و أخيرًا، أُهدي لكِ عزيزتي الأم قصيدة زاد بعيوني جمالها بقلم الشاعر حامد زيد:
زاد بعيوني جمالها وأخذت أنقِّي بالمعاني جزالها
وأكتب معانيها من الشوق والغلا لأمي
وأنا اصغر شاعرٍ من عيالها
كتبتها في غربتي يوم رحلتي
لما طرالي بالسفر ماطرالها
أمي وأنا بوصف لها زود حبها
وإن ماحكيت لها قصيدي حكالها
أمي لها بالجوف والقلب منزلة
مكانةٍ ما كل محبوب نالها
أقرِّب من ظلالي وأنا وسط غربتي
وأنا تراي أقرب لها من ظلالها
ماشافت عيوني من الناس غيرها
ولا خلق رب الخلايق مثالها
أغلى بشر في جملة الناس كلهم
وأكرم من يدين المزون وهمالها
أتبع رضاها وأرتجي زود قربها
واللي طلبته من حياتي وصالها
الصدق مرساها والأشواق بحرها
والعطف وإحساس الغلا رأس مالها
أهيم فيها وأبتسم يوم قلبها
يسأل وأنا قلبي يجاوب سؤالها
وإن إطلبتني شي فزِّيت مندفع
أموت أنا وأحمل تعبها بدالها
وأصبر على الدنيا والأحزان والتعب
وأحمل على متني فطاحل جبالها
وأسهر وأعذب راحة القلب بالشقا
وأعيش أعاني بس يرتاح بالها
تربية أبوي اللي على الطيب
بذكره اللي وهبني الحياة ومجالها
نوَّر لي دروبي وأنا طفل مبتدي
حتى تركني واحد من رجالها
الوالدين أولى بالإحسان لجلهم
وأولى بتكريم النفوس وعدلها
أقولها وأنا على الله متكل
والله عليم بقدرتي وإحتمالها
ياكلمةٍ أغلى من الناس كلهم
ياشمس بقلبي بعيد زوالها
يافرحة تملي لي الكون بأكمله
ياشجرةٍ تكبر ويكبر ظلالها
تضحك لي الدنيا ليا شفت زولها
مثل السما تزها بطلة هلالها
والبعد عنها يا أهل العرف ما أقدره
لاشك ناري زايدة بإشتعالها
ماعيش ببلاد ولاهيب بأرضها
ولا أبي عيوني كان ماهي قبالها
أرض تدوس أمي بالأقدام رملها أموت فيها و أندفن في رمالها.


0 تعليقات